الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

266

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

تعريض بأهل مكة إذ أصيبوا بسني القحط . والرجوع : مستعار للإذعان والاعتراف ، وليس هو كالرجوع في قوله آنفا وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [ الزخرف : 28 ] . وضمائر الغيبة في نُرِيهِمْ و أَخَذْناهُمْ ، و لَعَلَّهُمْ عائدة إلى فرعون وملئه . [ 49 ] [ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 49 ] وَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ ( 49 ) عطف على وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ [ الزخرف : 48 ] . والمعنى : ولما أخذناهم بالعذاب على يد موسى سألوه أن يدعو اللّه بكشف العذاب عنهم . ومخاطبتهم موسى بوصف الساحر مخاطبة تعظيم تزلفا إليه لأن الساحر عندهم كان هو العالم وكانت علوم علمائهم سحرية ، أي ذات أسباب خفية لا يعرفها غيرهم وغير أتباعهم ، ألا ترى إلى قول ملأ فرعون له وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ [ الشعراء : 36 ، 37 ] . وكان السحر بأيدي الكهنة ومن مظاهره تحنيط الموتى الذي بقيت به جثث الأموات سالمة من البلى ولم يطلع أحد بعدهم على كيفية صنعه . وفي آية الأعراف [ 134 ] قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ ، ولا تنافي ما هنا لأن الخطاب خطاب إلحاح فهو يتكرر ويعاد بطرق مختلفة . وقرأ الجمهور يأيه الساحر بدون ألف بعد الهاء في الوصل وهو ظاهر ، وفي الوقف أي بفتحة دون ألف وهو غير قياسي لكن القراءة رواية . وعلله أبو شامة بأنهم اتبعوا الرّسم وفيه نظر . وقرأه أبو عمرو والكسائي ويعقوب بإثبات الألف في الوقف . وقرأه ابن عامر بضم الهاء في الوصل خاصة وهو لغة بني أسد ، وكتبت في المصحف كلمة أيه بدون ألف بعد الهاء ، والأصل أن تكون بألف بعد الهاء لأنها ( ها ) حرف تنبيه يفصل بين ( أيّ ) وبين نعتها في النداء فحذفت الألف في رسم المصحف رعيا لقراءة الجمهور والأصل أن يراعى في الرسم حالة الوقف . وعنوا ب رَبَّكَ الرب الذي دعاهم موسى إلى عبادته . والقبط كانوا يحسبون أن لكل أمة ربّا ولا يحيلون تعدد الآلهة ، وكانت لهم أرباب كثيرون مختلفة أعمالهم وقدرهم ومثل ذلك كانت عقائد اليونان . وأرادوا بِما عَهِدَ عِنْدَكَ ما خصك بعلمه دون غيرك مما استطعت به أن تأتي بخوارق العادة . وكانوا يحسبون أن تلك الآيات معلولة لعلل خفية قياسا على معارفهم